الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
167
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يجوز أن يكون تذييلا للإخبار بانشقاق القمر فيكون المراد ب آيَةً في قوله : وَإِنْ يَرَوْا آيَةً القمر . فقد جاء في بعض الآثار : أن المشركين لما رأوا انشقاق القمر قالوا : « هذا سحر محمد بن أبي كبشة » وفي رواية قالوا : « قد سحر محمد القمر » ، ويجوز أن يكون كلاما مستأنفا من ذكر أحوال تكذيبهم ومكابرتهم وعلى كلا الوجهين فإن وقوع آيَةً ، وهو نكرة في سياق الشرط يفيد العموم . وجيء بهذا الخبر في صورة الشرط للدلالة على أن هذا ديدنهم ودأبهم . وضمير يَرَوْا عائد إلى غير مذكور في الكلام دال عليه المقام وهم المشركون ، كما جاء في مواضع كثيرة من القرآن ، مع أن قصة انشقاق القمر وطعنهم فيها مشهور يومئذ معروفة أصحابه ، فهم مستمرون عليه كلما رأوا آية على صدق الرسول صلى اللّه عليه وسلم . ووصف مُسْتَمِرٌّ يجوز أن يكون مشتقا من فعل مرّ الذي هو مجاز في الزوال والسين والتاء للتقوية في الفعل ، أي لا يبقى القمر منشقا . ويجوز أن يكون مشتقا من المرة بكسر الميم ، أي القوة ، والسين والتاء للطلب ، أي طلب لفعله مرّة ، أي قوة ، أي تمكنا . والمعنى : هذا سحر معروف متكرر ، أي معهود منه مثله . [ 3 ] [ سورة القمر ( 54 ) : آية 3 ] وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ ( 3 ) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ . هذا إخبار عن حالهم فيما مضى بعد أن أخبر عن حالهم في المستقبل بالشرط الذي في قوله : وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا [ القمر : 2 ] . ومقابلة ذلك بهذا فيه شبه احتباك كأنه قيل : وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا : سحر ، وقد رأوا الآيات وأعرضوا وقالوا : سحر مستمر ، وكذبوا واتبعوا أهوائهم وسيكذبون ويتبعون أهواءهم . وعطف وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ عطف العلة على المعلول لأن تكذيبهم لا دافع لهم إليه إلا اتباع ما تهواه أنفسهم من بقاء حالهم على ما ألفوه وعهدوه واشتهر دوامه . وجمع الأهواء دون أن يقول واتبعوا الهوى كما قال : إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ [ الأنعام : 116 ] ، حيث إن الهوى اسم جنس يصدق بالواحد والمتعدد ، فعدل عن الإفراد إلى الجمع لمزاوجة ضمير الجمع المضاف إليه ، وللإشارة إلى أن لهم أصنافا متعددة من الأهواء : من حب الرئاسة ، ومن حسد المؤمنين على ما آتاهم اللّه ، ومن حب اتباع ملة آبائهم ، ومن